تحديات بناء الشخصية الرجالية في غياب الأب
كيف يتجاوز الشاب أثر التربية النسائية المنفردة؟
يقال في أمثالنا الشعبية: "البيت اللي فيه راجل، فيه جنة". والمقصود هنا ليس التقليل من شأن المرأة، بل الإشارة إلى ذلك "التردد الصوتي" والاتزان الذي يمنحه وجود الأب في المكان. اليوم، نفتح ملفاً مسكوتاً عنه: ماذا يحدث للشاب الذي نشأ في "مملكة نسائية" صرفة (أم، جدة، خالات، أخوات) دون وجود "مرآة رجالية" تعكس له هويته؟
مملكة الحنان المفرط.. وفخ "النعومة" البيت الذي تديره النساء بامتياز هو بيت مليء بالحب، الرعاية، والنظافة، لكنه غالباً ما يفتقر إلى "عنصر الاحتكاك" الضروري لصناعة الرجل.
الحماية الزائدة: في البيت النسائي، غالباً ما يكون الابن هو "الأمير" المدلل. الكل يخاف عليه من "الهواء الطاير". هذه الحماية تحرم الشاب من خوض تجارب الفشل، والتعرض للخدوش (المادية والمعنوية) التي تصقل شخصيته.
لغة المشاعر: يتربى الشاب على لغة عاطفية عالية، وهو أمر جميل، لكنه قد يفتقد لغة "الحسم" و"المواجهة" و"المنطق البارد" التي يمثلها الأب عادةً.
البحث عن "النسخة المفقودة" الرجل يحتاج لرجل مثله ليتعلم منه "كيف يكون رجلاً".
غياب النموذج البصري: الولد يتعلم الرجولة بالتقليد (Modeling) لا بالكلام. يراقب والده وهو يصلح شيئاً مكسوراً، وهو يتعامل بوقار مع الغرباء، وهو يضبط انفعالاته عند الغضب. في غياب هذا النموذج، يضطر الشاب لابتكار "نسخة" من الرجولة، غالباً ما يستقيها من الشاشة (التي تحدثنا عن زيفها في المقال السابق).
أزمة الهوية: قد يشعر الشاب بنوع من "الاغتراب" وسط نقاشات النساء واهتماماتهن، مما يجعله إما ينطوي على نفسه، أو يبحث عن "انتماء" خارجي (شلة، نادي، جيم) بشكل مبالغ فيه لتعويض النقص.
الأم البطلة.. والعبء الثقيل علينا أن ننحني احتراماً لكل أم قامت بدور "الأب والأم". لكن علم النفس في 2026 يؤكد أن "الأمومة" لا يمكن أن تبتلع "الأبوة".
الأم تمنح "الأمان العاطفي" (القبول غير المشروط).
الأب يمنح "الأمان الوجودي" (القدرة على مواجهة العالم). عندما تحاول الأم القيام بالدورين، فإنها غالباً ما ترهق نفسها، وقد تنقل لابنها "قلقها" الزائد بدلاً من "صلابة" الأب.
كيف ينجو "ابن النيل والفرات" من هذا الفراغ؟ إذا كنت قد نشأت في بيت نسائي، فهذا ليس "قدراً" يجعلك هشاً، بل هو "تحدٍ" يتطلب وعياً:
ابحث عن "مرشد" (Mentor): خال، عم، مدرب رياضي، أستاذ. ابحث عن رجل ذو حكمة ومبادئ لتتعلم منه "صنعة" الرجولة.
خشن حياتك: لا تركن للراحة. مارس الرياضات التي تتطلب احتكاكاً، انزل لسوق العمل مبكراً، تعلم لغة الشارع بوقارها لا بابتذالها.
صادق الرجال الصالحين: الصديق مرآة. اختر أصدقاء يرفعون من سقف طموحك ويذكرونك بمسؤولياتك.
يا ابن النيل والفرات.. رجولتك تبدأ من داخلك. غياب الأب قد يترك ثقباً في الروح، لكنه أيضاً قد يكون الحافز لتصنع من نفسك "الأب" الذي كنت تتمناه. لا تجعل "دلال" البيت النسائي يكسر أنياب طموحك، بل اجعل "دعواتهن" وقوداً لصلابتك.
في المقال القادم، سنعالج موضوعاً حساساً جداً: "هوس (الجيم) والمنشطات: هل الرجولة في (العضلة) أم في (العقل)؟".
