الرجولة ليست سُبة

أول موسوعة عربية لاستعادة قيم الشهامة والصلابة في عصر السيولة. من النيل إلى الفرات، نعيد بناء الرجل الوتد ضد تيارات الميوعة المعاصرة.

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

الشاشة الخائنة.. كيف يطبخ لنا الإعلام نموذج الرجل "التابع" على نار هادئة؟

كيف تروج الدراما المصرية والعالمية لنماذج الرجل التابع والهش كبديل للرجولة الحقيقية؟




هل تذكر متى كانت آخر مرة شاهدت فيها مسلسلاً حديثاً وشعرت أن البطل "يشبهك"؟ أو يشبه والدك أو خالك في شهامتهم وحكمتهم، وتوازنهم بين القوة واللين؟ في الغالب، الإجابة هي "لا". قديماً، كانت الدراما تقدم الرجل كجزء من "حل" المشكلة. اليوم، وبقدرة قادر (أو بقدرة مُنتِج متأثر بتيارات فكرية عالمية)، تحول الرجل على الشاشة إما إلى "هو المشكلة ذاتها" (الشرير المتسلط)، أو إلى "ديكور تكميلي" لا يهش ولا ينش بجوار البطلة.

هندسة "الانكسار".. صناعة الرجل "الكيوت" ما يحدث ليس مجرد صدفة درامية، بل هو انعكاس لتيارات إنتاج عالمية – انتقلت عدواها إلينا – قررت إعادة تعريف صورة الرجل. هذه التيارات ترى في نموذج "الرجل القوي المستقل التقليدي" نمطاً قديماً يجب تفكيكه، واستبداله بنموذجين كارثيين يتم الترويج لهما على أنهما قمة "التحضر العصري":

  1. نموذج "التابع المطيع" (The Accessory Man): في هذا السيناريو، البطلة هي محور الكون؛ هي القوية، والذكية. أما دور الرجل فهو "التصفيق" لها، والاعتذار عن أخطاء لم يرتكبها، وانتظار تعليماتها. وجوده مرتبط كلياً بوجودها، بلا كيان مستقل. الرسالة الضمنية لك يا مشاهد: "لكي تكون محبوباً ومتحضراً، يجب أن تلغي قيادتك وتكتفي بدور المساعد".

  2. نموذج "الرجل الهش" (The Fragile Man): هو الشاب الذي ينهار عاطفياً لأتفه الأسباب، يفتقد لأي "عمود فقري" أخلاقي أو نفسي، وعند أول أزمة حقيقية يختبئ أو ينتظر من ينقذه. الإعلام يقدم هذا النموذج أحياناً تحت ستار "الرجل الحساس والرومانسي"، بينما هو في الحقيقة نموذج لـ "الهشاشة" التي لا تصلح لبناء بيت أو وطن.

"الفلاش باك" الواقعي.. أمثلة من الشاشة (حتى منتصف العشرينات) حتى لا يكون كلامنا نظرياً، دعنا نستعرض كيف تسللت هذه النماذج إلى شاشاتنا عبر السنوات الماضية، سواء في أعمال مصرية، عربية، أو عالمية شكلت وعي الجيل الحالي:

أولاً: أمثلة مصرية (بين التهميش والتشويه)

  1. نموذج "الزوج الديكور" في دراما قضايا المرأة: في موجة المسلسلات التي ناقشت (بحق أحياناً) قضايا تمكين المرأة (مثل نوعية مسلسلات "ليه لأ" وما شابهها في بداياتها)، ظهر نموذج الرجل "الطيب" لكنه "بلا فاعلية". هو مجرد شخص لطيف داعم، لكنه يفتقر لأي كاريزما قيادية، وجوده فقط ليثبت أن البطلة تستطيع النجاح بدونه أو معه كـ "ملحق".

  2. الرجل "المادة الخام للسخرية" في الست كوم: انظر إلى معظم مسلسلات الست كوم الحديثة (على غرار "راجل وست ستات" في مواسمه المتأخرة أو الأعمال المشابهة التي تلته)، ستجد الأب أو الزوج هو الحلقة الأضعف، هو مصدر النكتة بسبب غبائه أو قلة حيلته أمام زوجته وأطفاله الأذكى منه.

  3. الرجل "التوكسيك" كنموذج وحيد للقوة: في المقابل، عندما تريد الدراما تقديم رجل "قوي"، تقدمه غالباً في صورة "البلطجي" أو "المتسلط المؤذي" (Toxic)، مما يرسخ فكرة أن القوة تساوي الأذى، ولا يوجد نموذج وسط للرجل القوي العاقل.

ثانياً: أمثلة عربية (استيراد القوالب الجاهزة)

  1. الرجل في "الدراما المعربة" (مثل "ستيلتو" أو "عروس بيروت" وغيرها): هذه الأعمال المقتبسة من التركية، غالباً ما تقدم الرجل في إطار من اثنين: إما رومانسي "مبالغ فيه" وهش عاطفياً جداً، أو غيور متملك. حياته كلها تدور في فلك العلاقات العاطفية والمكائد النسائية، بعيداً عن تحديات الحياة الواقعية للرجل العربي.

  2. نموذج "الشاب الثري المدلل" في بعض الدراما الخليجية: يتم التركيز على الشاب الذي يملك المال لكنه يفتقر للمسؤولية، يعتمد على ثروة أهله، ويكون تابعاً في علاقاته، مما يضرب قيمة "العصامية" في مقتل.

  3. غياب "الأب القدوة" في الدراما المشتركة: نادراً ما نرى نموذج الأب الحكيم الذي يرجع إليه الجميع. غالباً الأب غائب، أو عاجز، أو فاسد، تاركاً الساحة لنماذج مشوهة.

ثالثاً: أمثلة عالمية (المنبع الأصلي للفكرة)

  1. شخصية "كين" (Ken) في فيلم "باربي" (Barbie - 2023): رغم الطابع الساخر للفيلم، إلا أن شخصية "كين" كانت التجسيد الأوضح لـ "الرجل التابع". هو لا شيء بدون "باربي"، هويته مستمدة منها، وحتى محاولته للتمرد كانت كاريكاتورية وهشة. هذا النموذج رسخ فكرة الرجل كـ "إكسسوار".

  2. رجال مسلسلات المراهقين (مثل Euphoria أو Elite): في هذه الأعمال واسعة الانتشار، يتم تقديم الشباب الذكور غالباً كـ "مضطربين نفسياً بشدة"، مدمنين، أو ذوي ميول عنيفة، أو في قمة الهشاشة الجنسية والنفسية. نموذج الشاب السوي المتزن شبه منعدم.

  3. الآباء في مسلسلات نتفليكس العائلية الحديثة: على غرار الأب في كثير من أعمال الست كوم الأمريكية الحديثة، يتم تصوير الرجل كشخص محبوب لكنه "غير كفء" مقارنة بالزوجة التي تدير كل شيء. هو "الطفل الكبير" في المنزل.

يا ابن النيل والفرات.. الخطورة ليست في مشاهدة هذه الأعمال، بل في "تطبيع" هذه النماذج. عندما يتكرر النموذج ألف مرة، يصبح هو "العادي". لا تسلم "ريموت" عقلك لأحد. الشاشة تقدم لك "خيال مؤلف" تحكمه اتجاهات إنتاجية معينة، فلا تجعلها تصيغ "واقعك". استمتع بالدراما، لكن احتفظ بـ "فلتر" نقدي في عقلك. تذكر أن نماذج الرجولة الحقيقية ليست في استوديوهات نتفليكس، بل في تاريخك، وفي الشارع، وفي كدح الرجال الشرفاء من حولك الذين لا يشبهون "كين" ولا رجال الدراما المعربة.

في المقال القادم، سننتقل إلى منطقة شديدة الحساسية في علاقاتنا الاجتماعية الحديثة: "فخ (الفريند زون) وأخواتها: كيف وضعتنا الصداقات الحديثة في خانة (اللاحبيب واللاغريب)؟".


كلمات مفتاحية: #صورة_الرجل_في_الدراما #تحليل_المسلسلات_الحديثة #الرجل_التابع #الذكورة_الهشة_في_الإعلام #حرب_الوعي #ابن_النيل_والفرات #نقد_الدراما_العربية_والعالمية

عن الكاتب

Khaled Daif

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

الرجولة ليست سُبة