
لو كان هناك "تيك توك" في زمن بناء الأهرامات أو حدائق بابل المعلقة، هل كنت ستجد شاباً يصور نفسه بـ "فلتر" القطة وهو ينتظر نصيبه من الميراث؟ أغلب الظن أن الإجابة هي "لا" قاطعة. ليس لأنهم لم يمتلكوا الرفاهية، بل لأن "كتالوج" الرجل حينها كان يعتمد على معادلة بسيطة: قيمتك تساوي ما تقدمه، لا ما تملكه.
الرجل "المؤسسة"
في حضاراتنا القديمة، لم تكن الرجولة مجرد مرحلة عمرية تأتي بعد البلوغ، كانت "امتحاناً". على ضفاف النيل، كان الشاب يتعلم كيف يروض النهر، كيف يزرع، وكيف يبني حجراً يزن أطنانًا بدقة الساعات السويسرية. وفي بلاد الرافدين، كان الصبر على تقلبات الطبيعة والفروسية هو "البروفايل" الحقيقي للرجل.
لم تكن "النعومة" خياراً مطروحاً، لأن الطبيعة كانت خشنة، والرجولة هي "رد الفعل" المنطقي لتلك الخشونة.
الوقار.. العملة النادرة
لو تأملت تماثيل أجدادك، ستجد شيئاً واحداً مشتركاً: الوقار. نظرة العين التي تعرف هدفها، والكتفين العريضين بفعل المسؤولية لا بفعل "حقن الهرمونات". الأجداد فهموا أن الرجل "هيبة"، والهيبة لا تُشترى بماركات الملابس، بل تُنتزع من خلال الصمت الحكيم والعمل المتقن.
ما الذي سقط منا في الطريق؟
المشكلة اليوم ليست في أننا نعيش في بيوت مكيفة، المشكلة في "تكييف العقول".
قديماً: كان الرجل هو "المرجع"؛ إذا حدثت مشكلة، يهرع الجميع إليه.
اليوم: إذا انقطع الإنترنت، ينهار "كيان" الرجل في نظر نفسه قبل الآخرين.
الأجداد تركوا لنا "كوداً" وراثياً من الصلابة، لكننا استبدلناه بـ "كود" برمجي يجعلنا مستهلكين، ناعمين، وقابلين للانكسار عند أول ضغط نفسي أو مادي.
يا ابن النيل والفرات..
أنت سليل رجال كانوا يحرثون الأرض بيد، ويحملون السيف باليد الأخرى، ويقرأون النجوم بعقولهم. الرجولة التي نبحث عنها ليست في "الجيم" فقط، بل في تلك الروح التي تجعل منك "وتداً" في عائلتك ومجتمعك.
في المقال القادم، سنفتح الملف الشائك: "فخ التكنولوجيا.. كيف سحب الموبايل هرمونات الشجاعة من عروقنا؟". استعد، لأننا سنواجه الحقيقة المرة وجهاً لوجه.